Skip to content

April 29, 2019

لاهوتي … وللا “هوتي”؟ الجزء الأول

by johnanton

نلمح اليوم في المجتمع الكنسي ظاهرة خطيرة، أرجو أن يتولاها الله حتى لا تنقلب خطرًا.

Image result for philosopher

هناك نموًا على كافة الأصعدة ما في ذلك شك، ونحن نشكر الله على هذا وعلى كل حال، وخصوصًا بعد وجود مساحة كبيرة من المشاركة (sharing) والعرض، وأصبح الجميع يعبر عن رأيه بحرية تامة ويعرض ما يلذ له ويشارك بما يقرأه ويقرأ ما يشاركه الآخرين، وكثرت المدارس أو المعاهد ومراكز التعليم والمكتبات الخاصة، والتي تقدم تعليمًا وفكرًا، ولكن وجه الخطر أن النمو يرتفع في الناحية العقلية بنسبة كبيرة، ويخطو فيها بخطوات واسعة. أما من جهة النمو الروحي فهو لا يتماشى مع ذاك ويصبح أبطأ، بل في أحيانٍ كثيرة يوجد تراجع بخطوات واضحة إلى الوراء، أخشى أن ينمو البعض عقلاً، لا روحًا، فتكون النتيجة المخزية هي أن عقل المسيحي يصبح خاليًا من الروح.

Related image

ومن منا يتجاهل تلك الحقيقة أننا نرى بعض الصبيان والأطفال والشباب حديثي العمر يعرضون بعض الأمور الكنسية ويتجادلون ويناقشون أقوال الآباء والأسباب والنتائج والتأثيرات، أو يعرض لك آراءه في قضايا كنسية وإيمانية أحيانًا قد لا يفقه فيها شيئًا بل ويقترح كيف ينبغي أن يفكر هذا ويسلك ذاك، وكأنه خبيرًا وكل ذلك العلم وانتشاره حسنٌ وليته يعم، وليت المتعلمين والفاهمين تمتلئ بهم الأرض.

لكن وجه الخطورة هو الفساد السائد في أوساط المتعلمين أنفسهم، فنشاط عقلي رائع يقابله أمراض روحية مريعة، يدافع هذا عن عقيدة قرأ عنها وسمعها وأستلذ بها عقله (مزجته) ولا تدخل تلك العقيدة في حيز التنفيذ على الإطلاق، والأدهى قد يخسر أناسًا ويشتمهم ويتلفظ عليهم بأبشع السباب والألفاظ، لماذا يا عزيزي كل هذا؟ فأتصور إجابته: “لأنكم أغبياء، لا تفهمون ولن تفهموا، رأيي آبائي، رأيك هبائي”، وجدت هذا الأخ الحبيب يدافع عن أحد المفاهيم، وفي إحدى تعليقاته ردًا على سؤال آخر أجاب: “ما انتوا لو بتقروا تعرفوا إن القديس أثناسيوس قال كده … بس انتوا حمير”، يدافع عن عقيدة الفداء ومفهومها الصحيح عنده، فيجرد كل اخوته ويسخر منهم، بشكل لا يقبله المسيح المصلوب الذي يدافع هو عنه في كبرياء وعجرفة ولا بالطبع القديس أثناسيوس.

Image result for athanasius

وهنا يأتي تفسير عنوان مقالتي: فهل أنت لاهوتي أي تهتم بما هو لله وتبرزه في حياتك قبل تعليمك ممدوحًا من المسيح له المجد: ” وأما من عمل وعلم، فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات” (متى 5: 19)، أم أنك “هوتي” تلك الكلمة القبطية التي تعني “المرعب أو المفزع”، فالبعض في تقديمه للأمور اللاهوتية يفزعك بكلماته كما أوضحنا سابقًا، متهم من ينتمي لرأي غير رأيه بالتخلف والرجعية وينال منهم بالسخرية الدائمة في كل أحاديثه، أمر مفزع أليس كذلك؟! أما اللاهوتي فهو ذاك الإنسان المتضع في حياته وحقانيًا Related imageفي تعليمه ولا يتعارض قول الحق واللاهوتيات لديه مع اتضاعه ولا محبته للآخرين، فبالعكس تظهر محبته بشكل أوضح في تلك الاختلافات، وكيف يستغلها حتى يُظهِر صدق تعاليمه وأنها بالله معمولة كما يقول معلمنا يوحنا الحبيب: “وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ».”

أما عن العجرفة، فهي أحد أهم الأمراض المصاحبة لعالمي لاهوت الفيس بوك، وخصوصًا الذين تحركهم عواطفهم أو اتجاهاتهم أو نفسياتهم أو أصدقائهم من العالم الافتراضي، أكثر من إخلاصهم لمسيحهم وكنيستهم وللموضوعية، والبعض أصبح ينتمي لهؤلاء من قد حازوا على الأضواء والشهرة غير المرتبطة بإنجاز، فقط لكونه بارع في الكتابة، والتي هي أحد أبرز آفات هذا العصر، الكتابة والكتابة وفقط، فالكل يصدر كتبًا، بغض النظر عن امتلاءه أو تعمقه فيما يعرضه في تلك الكتب، ولكن على أي حال، الكتابة لن تنتهي ولن تتوقف.

Image result for bad theologianونجد على ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، شخصيات جديدة قد برزت وأصبحت محور اهتمام ومصدر لتعليم بسبب أنهم يحصدون شهرة على مواقع التواصل الاجتماعي تحوّلهم أوتوماتيكياً إلى قدوات أو معلمين بينما لو جلست مع أحدهم المتحدث في اللاهوتيات والذي يقدم لنا الجديد والمستجد والذي يعتبره هو أصالة انحرفنا عنها، لرأيت أنه فارغ تماماً من الداخل، وقد يفسر هذا لماذا يقضي البعض كثير من الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي، فما يجده من سماع وتبني لآرائه في هذا العالم ولا ولم ولن يفكر أو يحلم أن ينله في واقعه المرير.

وللأسف نسبة هائلة من المثقفين الحقيقيين والقادة ذوي العلم الحقيقي والأصالة بعيدون إلى حد كبير عن ضوضاء مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يلتفت لهم إلا من يبحث عنهم بالسراج في عتمة الليل.

ولكن سؤالي لك ولنفسي أولاً: ماذا سننتفع حينما ندخل في جدال حاذق حول الثالوث القدوس، ونحن أصلاً غير ثابتين في الثالوث القدوس وهو ثابت فينا؟! ماذا ينتفع هذا أو ذاك حينما يهاجم ويخاصم ويصرخ في تعليقاته بشتائم وسباب وسخرية لاذعة مريعة واصفًا البعض أن كيف لا تقبلون لفظة التأله، بينما هو في الحقيقة لا يحيا مع الله بحق لا على مستوى الفضيلة ولا حتى على مستوى الاتحاد الحقيقي معه عبر الافخارستيا، ولا يعرفه ذاك الذي يريد أن يتأله به! نحن لسنا فلاسفة أو مُنَظِرّون، نحن مسيحيون! نعيش بالروح والحق، وأذكر هنا القديس البابا كيرلس السادس الذي يتهمه البعض بالجهل حاليًا بل وأثناء حياته على الأرض. لم يكن هذا القديس متكلمًا أو واعظًا، فهي لم تكن موهبته ولكنه كان يعرف الإيمان ويحياه بشكل جعل تأثيره أقوى بكثير من المتفلسفون في الأمور اللاهوتية. ولئلا يساء فهمي أنني لا أحب شرح الأمور اللاهوتية، فهذا لا أقصده على الإطلاق، والدليل أيضًا من حياة هذا القديس العظيم الذي أخرج لنا مناريتين في الشرح والعلم اللاهوتي هما المتنيحين قداسة البابا شنودة الثالث الذي كان أسقفًا للتعليم ونيافة الأنبا اغريغوريوس أسقف البحث العلمي، لكننا رأينا فيهما أيضًا اتضاعًا جليًا مع الشرح والتفسير، رأينا رعاية وروحانية مع إعلان الحق ودحض الهرطقات والفكر الخاطئ.

البعض يهتم الآن بإنشاء المعاهد والمدارس والجمعيات والمكتبات التي تبغي نشر العلم، والاهتمام بتنمية العقل، وهذا نافع كما قلنا لأن العقل الذي يفكر تفكيرًا سليمًا متضعًا حتمًا سيصل إلى الله، كما أن المسيح قد أعلن لنا تلك الحقيقة الجلية التي لا تحتاج لمراجعة: “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله”، فهل يتفق ما أعتقد به وما أعلم به أو أشجعه أو أبرزه مع سلوكي الداخلي؟، هل قلبي ونواياه صادقة ونقية؟! ولعلنا نعلم أن سبب نقاوة إيمان القديس أثناسيوس الرسولي هو تقواه، وجدير أيضًا بالذكر أن كتابات هذا الأب القديس لم تكن بسبب إظهار مدى معرفته القوية، أو إعلانات الله له، أو تفاخره بمدى الدقة في البلاغة والتعبير، بل كانت لدوافع رعوية خاصة بالحفاظ على الإيمان لأجل شعب المسيح وخلاصهم، لم يعتبر أن الأمر مشاجرة أو مجرد مناظرة بينه وبين الأريوسيين، ويدافع فيها عن رأيه الخصوصي. والذي قد نلاحظه في البعض، فهو لا يشرح عقيدة الكنيسة لأجل الخلاص، إنما يدافع عن وجهة نظر هو يتبناها، فكيف لأحد أن يعارضه؟!

أتمنى من الله أن يهبنا دومًا أن يكون كل عمل وكل علم هو لأجل مجد اسمه وألا ننتفخ بالعلم أو ندعي الاستنارة بينما داخلنا مملوء حقد وغيرة وحسد وكراهية لكل من يخالفنا أو نختلف معه، وأن تتحول كل معرفة أعلنت لنا عن الله الثالوث القدوس لحيز التنفيذ والعمل لا حيز التنظير والفلسفة الفارغة، وليعطنا الله حكمة واتضاعًا حينما نتكلم عن الله وأسراره وأي وكل ما يختص به.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Note: HTML is allowed. Your email address will never be published.

Subscribe to comments

%d bloggers like this: