Skip to content

Archive for

17
Feb

عارف يعنى أيه تقليد ؟؟؟؟ ج 4

الأسفار الأرثوذكسية

أغلب العهد القديم كُتب باللغة العبرية، لغة بني إسرائيل. و لكن عند وقت الرب يسوع و الرسل، لم يكن أغلب اليهود يعيشون في المنطقة التي تدعى إسرائيل، لذلك فالعبرية- اللغة التي كتب بها العهد القديم- لم تعد اللغة الأكثر شيوعا بين اليهود. فكانت تستخدم في الهيكل و نوعا ما في المجامع، و لكن لم يتكلم بها اليهود غالباً في بيوتهم . في ذلك الوقت كانت اللغة الشائعة هي اللغة اليونانية. و العهد الجديد مكتوب باللغة اليونانية لأن تلك اللغة كانت هي اللغة المستخدمة عادة في الإمبراطورية الرومانية . لذلك قبل ميلاد المسيح بقرون قليلة تُرجمت أسفار العهد القديم من العبرية إلى اليونانية. كما جاء في تقليد هذه الترجمة، تمت هذه الترجمة في مدينة الإسكندرية في مصر بواسطة سبعين مترجم. لذلك سميت “بالترجمة السبعينية” (نسبة إلى السبعين) .

في أيام المسيح و الرسل و أيام الكنيسة الأولى، كان من النادر أن نجد شخص يمتلك أى (درج أو سفر) من أسفار الكتاب المقدس. كانت تلك الأسفار تعتبر غالية و قيّمة جداً، وكانت تعامل بإجلال زائد لدرجة انه كان يُعتبر من الغير لائق أن يمتلك الشخص  (العادي) منها شيئاً. وكانت أي كنيسة أو مجمع (يهودي) تعتبر نفسها محظوظة إن كانت تمتلك مجموعة كاملة من الأسفار.

اللغة المألوفة أكثر لآذان هؤلاء الذين كانوا يقرؤون أو يسمعون الكتاب المقدس كانت اللغة اليونانية لذلك فالترجمة السبعينية اليونانية التي للعهد القديم هي التي كانت الترجمة المعتمدة (الرسمية) للكنيسة الأرثوذكسية.

ولكن أغلب نسخ العهد القديم الموجودة حاليا [باللغة الإنجليزية] مترجمة من النسخة العبرية وليس السبعينية، لذلك من الصعب أن نجد نسخة سبعينية  [إنجليزية] للعهد القديم. فلماذا تُصرّ الكنيسة الأرثوذكسية على أن تكون تلك الترجمة هي الترجمة الرسمية للعهد القديم؟

 ذلك لأن النبوات التي تتكلم عن مجيء المخلص المسيا -وخصوصا في المزامير و الأنبياء-  نجدها في هذه الترجمة أكثر حرفية و أكثر دقة و أكثر تركيزاً عن نظيرتها في النصوص العبرية التي للربيين. [وفي الترجمة الإنجليزية New King James Version أو أي من الترجمات الإنجليزية الحالية] نجد العهد القديم مترجم عن النصوص العبرية التي حفظها الربيين و الكتبة العبرانيين (اليهود). الترجمة السبعينية تُرجمت من مجموعة مخطوطات عبرية أقدم و لكن تلك المخطوطات ليس لها وجود الآن. الترجمة السبعينية كُتبت قبل مجيء المسيح، وبالرغم من ذلك نجد أن النبوات التي وردت فيها عن مجيء مخلص إسرائيل جاءت بأكثر قوة من النبوات التي في النصوص اللاحقة. والمسيحيين الأوائل رأوا في ذلك زيادة التحضير من الله لإعلان نفسه لإسرائيل. وبالطبع الإستعلان الأعظم لإله إسرائيل هو في مجيئه في شخص إبنه يسوع المسيح. فزيادة التركيز التدريجي في قوة النبوات المسيانية التي نجدها في الترجمة السبعينية هو (في فهم الأرثوذكس) من إرشاد الروح القدس .

ثانيا: عندما يقتبس العهد الجديد من القديم نجد كل الإقتباسات تقريباً بدون استثناء من الترجمة السبعينية. وفي حالة المزامير و الأنبياء نجد الفروقات بين النص العبري و النص السبعيني واضحة، لذلك فعندما نصلي المزامير أو نقرأ فصول من العهد القديم في الصلوات (الخدمات) الأرثوذكسية نحرص على أن يكون ما نقرأه مطابق للنص السبعيني. نأمل في يوم أن يوجد بنعمة الله ترجمة جيدة للترجمة السبعينية باللغة الإنجليزية متوافرة[1]].

ثالثا : الوجه الآخر الذي  للعهد القديم الذي يقبله الأرثوذكس هي “الأسفار القانونية الثانية” هذه الأسفار توجد فقط في الترجمة السبعينية وليست في النسخة العبرية التي للربيين. فأسفار كطوبيا وتكملة أستير وتكملة دانيال وسفري المكابيين، وحكمة سليمان و[يشوع بن] سيراخ ونبوة باروخ وصلاة منسى تعتبر كجزء من العهد القديم كبقية الأسفار في الكنيسة الأرثوذكسية.

الترجمات البروتستانتية التي تضم الأسفار تسمي تلك الأسفار “الأبوكريفا” وأصل كلمة “أبوكريفا”  تعني “المختفية / المخبأة”. أما في الكنيسة الأرثوذكسية نحن لا نستخدم هذه الكلمة. يستخدم البروتستانت هذا المصطلح للدلالة ضمنيا على أن هذه الأسفار ليست من العهد القديم و إنها “زائدة” أو أقل [شأناً] من الأسفار الأخرى. ولكن الأسفار القانونية الثانية في الكنيسة الأرثوذكسية جزء لا يتجزأ من العهد القديم .

النسخة اليونانية الرسمية للعهد الجديد يشار إليها عادة بـ ” النص المُسْتلَم” “Received Text”. وفي أوقات يسمى “النص البيزنطي ” “Byzantine Text” وهي نص الأناجيل والرسائل التي كانت في الكنيسة اليونانية (منذ البداية) ، [،في اللغة الإنجليزية] فالنسخة الأكثر توافرا التي تتبع هذه الترجمة التقليدية المستلمة بدقة ولكنها مكتوبة في صيغة سهلة الفهم (إنجليزي حديث) هي نسخة New King James Version .

فهم الكتاب المقدس من خلال الكنيسة

 الأسفار نفسها تشهد أنها يجب أن تُفهم في نطاق حياة وفهم شعب الله. فمن المهم أن نعرف أن كنيسة العهد الجديد كانت في الوجود لأكثر من ثلاث مائة سنة قبل وضع أسفار العهد الجديد في صورتها النهائية .

ففي [رسالة تسالونيكي الثانية] نقرأ ” فأثبتوا اذا أيها الأخوة و تمسكوا بالتقليدات التي تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا ” (2 تس 2: 15). عبارة “التقاليد التي تعلمتموها” مهمة جداً: من أين أتت تلك [التقليدات]؟ لا تستطيع أن تجدها كلها في كتاب تأخذه و تقرأه، فهناك أمور في الكنيسة تُسلَّم شفاهةً وهكذا سُلِّمت منذ البداية. هناك أمور أخرى في الكنيسة تُسلَّم بالكتابة. ولكن الشيء الأساسي الذي يجب أن نفهمه هو أن معيار الحق في هذه الأمور هي الكنيسة نفسها.

نرى إشارة أخرى في (1 تيمو 3 : 14 ، 15) حين يصف بولس الرسول الكنيسة كـ”عمود الحق و قاعدته”. الأسفار نفسها تعترف بأن عمود الحق وقاعدته هو الكنيسة. إن كنا نريد أن نفهم الأسفار يجب أن نفهمها كما فهمتها الكنيسة.

يكتب ق. بطرس الرسول في رسالته الثانية “لم تأتي نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” ( 2 بط 1 : 20 ) الشيء الأساسي في هؤلاء الرجال القديسون هو انهم عاشوا في خلال نطاق شعب الله المختار،  إن كان ذلك الشعب هو إسرائيل أو الكنيسة. إذاً فالأسفار المقدسة تُفْهَم في الكنيسة ومن خلال الكنيسة.

الأرثوذكسية تُعَلٌم بأننا إن أخذنا الأسفار من(أو فصلناها عن) مضمونها، أي فصلناها عن الكنيسة التي كتبتها و أقرت بقانونيتها، فمن الممكن أن يحدث أي شيء. وخلال القرون جاء أناس، بسبب التفسير الفردي الخاص، استنتجوا من قراءتهم للأسفار أشياء كثيرة [غريبة] لم تكن موجودة من قبل في إيمان أو خبرة شعب الله. فحين ننظر إلى العالم من خلال الأعين الأرثوذكسية، نرى ماذا يحدث حين يكون التفسير الشخصي هو معيار الحق.

عندما ننظر إلى تاريخ غير  الأرثوذكس في الألف سنة الأخيرة، دائماً نسأل نحن الأرثوذكس سؤال لا نجد له من غير الأرثوذكس جواب شافي:

“ما هو معيار الحق ؟” أو “أين نجد معيار الحق ؟”

“هل يوجد في شخص معين ذو سلطان في الكنيسة؟” أو “هل هي في الكتاب وحده مستقلاً بذاته؟”

إذا كانت الإجابة هي إحدى هاتين (في شخص معين أو في الكتاب المقدس وحده) فهذه الإجابة غير مجدية للأرثوذكس. أما إذا كانت الإجابة هي الثانية (أي الكتاب المقدس)، بمعنى أنك تقول أن “كل ما أحتاجه للخلاص أستطيع أن أجده بنفسي في كتابي المقدس وحدي” فأنت إذاً تقول أنك أنت و فكرك الخاص هو معيار الحق. النتيجة لذلك -في عيون الأرثوذكسية- هو الانتشار المستمر لمجموعات مختلفة تسمى نفسها “كنائس”. والطوائف الجديدة تتكون كل أسبوع و كلها تأخذ أساسها من التفسير الشخصي للكتاب المقدس . 

في كل مكان، في كل زمان، ومن الكل

فالإيمان الأرثوذكسي يصر على أن يُفهم الكتاب المقدس من خلال حياة الكنيسة. كيف نفهم هذا الموضوع ؟ توجد ثلاث معايير لنعرف إذا كان أي أمر من التقليد ومن حياة الكنيسة :

المعيار الأول هو ” القدم ” “Antiquity” . و ذلك يعني الإيمان بشيء منذ القدم (منذ البدء).

ثانياً ” الشمول ” “Universality” : أي أن نجد الشيء يعلم به يُؤمن به في كل مكان.

و ثالثاً ” الإجماع ” “Unanimity “: أي ما كان يُؤمن به ويُعَلِّم به كل من كان عضواً في الكنيسة في كل زمان.

 كل ما نؤمن به و نُعَلِّم به- أي التقليد الكنسي بكامله- محكوم بهذه المعايير الثلاث .

من خلال تاريخ الكنيسة -حيث إحتاجت في كل وقت أن تُعَرِّف الإيمان بكلمات مناسبة لأيضاًح معانيها-  نجد أنه وُجد إحتياج إلى إستحداث (أو صياغة) مفردات (أو مصطلحات) جديدة.  ولكن حين نُعَرِّف مصطلح جديد فنحن لا نضيف شيئاً جديداً إلى الإيمان. والمثال الواضح هو استخدام كلمة “الثالوث”، فنحن لا نجد (في أي مكان) في الكتاب المقدس كلمة “الثالوث”: فلا وجود لها فيها، فهذه الكلمة من صياغة معلمي الكنيسة العظام في القرن الرابع.

للآب والابن والروح القدس ذكر أكيد في الكتاب المقدس من بدايته إلى نهايته، ولكن في القرن الرابع ظهر إحتياج الكنيسة في أن تعبر عما تقصد عندما تقول إن الله آب وابن و روح قدس. فبعد مرور 400 عام على الكنيسة و بعد أن تحررت أخيراً من الاضطهاد، وُجد أشخاص في الكنيسة يعطون عقائد مخالفة لما استلمته الكنيسة في البداية. كانت أخطر تلك التعاليم التي أنكرت لاهوت المسيح، وبعد ذلك جاء من ينكر لاهوت الروح القدس. هؤلاء الناس ادعوا انه إن كان المسيح الله وان كان الروح القدس الله فلا يوجد اله واحد، لذلك دُعىَّ معلمي الكنيسة [ليحلوا هذه المشكلة]. لكن لم يكن مطلوب منهم أن يخترعوا عقيدة جديدة، بل كان عليهم أن يُعَرِّفوا بأكثر وضوح ما هو الإيمان الذي استلمته الكنيسة منذ البدء. وهكذا بدأت الكنيسة تستخدم لفظ “الثالوث”. هذا مجرد مثال واحد عن كيف تعيش الكنيسة عبر العصور و تكون في إحتياج أن تُعَرِّف دائماً ماهيتها و إيمانها في كل وقت. قد تأتي أشياء جديدة ولكن هذه الأمور الجديدة متماشية مع إيمان وتعليم الكنيسة في كل زمان ، في كل مكان وكما كان يُعَلِّمه كل أحد.

فإذا نحن الأرثوذكس نقول إن إيماننا هو إيمان الرسل بدون إضافات أو نقصان. في جهاد الكنيسة في كل زمان أن تحافظ على ما استلمته وسلمته في حياتها:ما نسميه تقليدها، أي كل مصادرها المكتوبة إن كان الكتاب المقدس أو أي شيء من الأشياء التي ذكرناها، مع تطورها ( نموها ) مع مر العصور، نجد أن الكل أمين لما أُعلن منذ البداية، والكل متماسك بوحدة الإيمان و خبرة شعب الله الذي نسميه الكنيسة.

لذلك فالأرثوذكس لا يقلقهم ما يسمى “بالتناقضات في الكتاب المقدس”. عندما تقرأ الأناجيل الأربعة، فستجد انها أربع كتب مختلفة جداً. فهيَّ تعبن عما قاله يسوع و عمله ولكن بأساليب مختلفة. فإذا قرأت مثلاً قصة قيامة الرب، (تلك القصة التي تمثل قلب إيماننا) ستجد تفاصيل كثيرة مختلفة في الأناجيل، ولكن ذلك لم يقلق الكنيسة. البعض يقرأون هذه القصص و (يعثرون) و يقولون “يجب أن تتفق [القصص] في كل صغيرة و كبيرة “. و لكن هذا الكلام يعكس عقلية تحاول أن تجعل من الإنجيل شيء غير حقيقتها. لم يُقصد أبداً بالإنجيل أن يكون (إعادة سرد لأخبار الجرائد). ربما ذلك من الأشياء التي جعلت الإنجيل تبقى لألفين سنة رغم إننا قد ننسى أخبار اليوم في الغد. فنحن في عصرنا هذا ننبهر بالمعلومات (data). فالمعلومات بالنسبة لنا تمثل حقيقة واقعة. و لكن في الإنجيل الحق عادة شيئ أعمق مما تستطيع بعض المعلومات إن تعبر عنه. فعندما يحدث شيء كقيامة المسيح، وهو حَدَثٌ يأتي بملكوت الله إلى الخبرة البشرية أخيراً و يجعل من الممكن لنا أن يكون لنا الحياة الإلهية، فيكون من المستحيل للكتَّاب البشريين أن يجدوا الكلمات التي يعبرون بها عن هذا الحدث بالكامل. لذلك يصر الأرثوذكس على ألا نأخذ مصدر بمعزل عن الباقي.فنحن لا ننتقي و لا نختار ما نريده (تاركين الباقي). ففي اللغة اليونانية يوجد فعل معناه “الانتقاء و الاختيار”، و من هذا الفعل تأتي كلمة “هرطقة”. فالهرطوقي هو الذي ينتقي جزء من الأمور التي آمنت بها الكنيسة و اختبرتها و تتجاهل باقي الأجزاء. و في هذا يحدث اختلال التوازن. لذلك يصر الأرثوذكس على وحدة كل مصادر التقليد. فهذه هي الضمانات التي أعطيت لنا في حياة الكنيسة: أن معرفتنا بل وخبرتنا مع الله سيكون الاستعلان الكامل الذي أعلنه عن نفسه.

انتهت اجزاء المقالة الأولى .. و سننشر مقالة ” فى غرور فكرهم ” للأب جون وايتفورد .


[1]  نفس الأمر ينطبق على القراءات الكنسية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كما ينطبق على الترجمات العربية المتوافرة في المكتبات حاليا .

%d bloggers like this: